المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة (قيس لُبنى) والحب الشريف


أبو عمير
12-09-2007, 03:54 PM
( قيس بن ذريح )

( قيس لُبنى )
****

كانت منازل قوم قيس في ظاهر المدينه وكان هو وابوه ينزلان حاضرتها .
كان أول عهد قيس بلُبنى أنه مر بخيام بني كعب بن خزاعه فوقف على خيمة منها , والخيمة خيمة لبنى بنت الحُباب الكعبية , فأستسقى ماءً , فسقته , وخرجت إليه به , وكانت امرأة مديدة القامة شهلاء حلوة المنظر والكلام . فلما رآها وقعت في نفسه , وشرب الماء , فقالت له : أتنزل فتتبرد عندنا ؟ قال : نعم .
فنزل بهم , وجاء أبوها , فنحر له وأكرمه . ثم أنصرف وفي قلبه منها حرٌّ لا يُطفأ .
فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع ورُوي .
ثم أتاها يوماً آخر وقد أشتد وجده بها , فشكا إليها ما يجد بها وما يلقى من حبها , وشكت إليه مثل ذلك .
ثم أنصرف الى ابيه واعلمه حاله وسأل ان يزوجه إياها , فأبى ابوه ونصحه بإحدى بنات عمه . فأتى الى امه وشكا إليها ذلك واستعان بها على ابيه , فلم يجد عندها ما يحب .
فلجأ إلى الحسين بن ابي طالب رضي الله عنه وشكا إليه تمنُع ابويه . فقال له الحسين : انا أكفيك ذلك . ثم مشى معه الى أبي لُبنى . فلما رآه أعظمه ووثب إليه وقال له : يا ابن رسول الله ما جاء بك ؟ ألا بعثت إليَّ فأتيتك ! قال : إن الذي جئت فيه يوجب قصدك , وقد جئتك خاطباً ابنتك لُبنى لقيس بن ذريح . فقال يأبن رسول الله , ما كنا لنعصي لك أمرا , وما بنا عن الفتى رغبة , ولكن أحبّ الأمر إلينا أن يخطبها أبوه , و ان يكون ذلك عن أمره . فإنا نخاف أن يكون عاراً وسبةً علينا .
فأتى الحسين رضي الله عنه ذريحا وقومه وهم مجتمعون , فقال لذريح : أقسمت عليك ألاَّ خطبت لُبنى لأبنك قيس . قال السمع والطاعة , فخطبها ذريح لأبنه , ثم زُفت إليه , وعاشا مدةً لاينكر أحد من صاحبه شيئا .


وكان قيس من أبر الناس بأمه , فألهته لُبنى عن بعض ذلك , فوجدت أمه في نفسها , وقالت : لقد شغلت هذه المرأه أبني عن برِّي , ولم ترى للكلام في ذلك موضعا ً , حتى مرض قيس مرضاً شديداً .
ولما برأ من علته قالت أمه لأبيه : لقد خشيت ان يموت قيس وما يترك خلفاً وقد حُرم الولد من هذه المرأه وانت ذو مال , فيصير مالك إلى الكلالة , فزوِجه بغيرها لعل الله يرزقه ولداً , وألحت عليه في ذلك .


فأمهل ذريح قيسا حتى اذا اجتمع قومه , دعاه فقال : ياقيس انك اعتللت هذه العلة , فخفت عليك ان تموت ولا ولد لك , وليس لي سواك , وهذه المرأه ليست بولود , فتزوج إحدى بنات عمك لعل الله يهب لك ولدا تقر به عينك واعيننا . فقال قيس : لست متزوجا غيرها ابدا . فقال له ابوه : فإن في مالي سعة , فتسرَّ بالإماء . قال : ولا أسوءها والله بشيء ابدا . فقال ذريح : فإني أقسم عليك إلا طلَّقتها . فأبى وقال : الموت والله أسهل عليَّ من ذلك , ولكني اُخيرك خصلة من ثلاث .
قال : وما هي ؟ قال : تتزوج أنت فلعل الله يرزقك ولداً غيري . قال : فما لي فضلة لذلك . قال : فدعني أرتحل عنك بأهلي واصنع ماكنت صانعا لو متُّ في علتي هذه . قال : ولا هذه . قال : فأدع لُبنى عندك وارتحل عنك فلعلي أسلوها , فإني ماحب ان تكون نفسي طيبة أنها في خيالي . قال : لا ارضى او تطلقها , وحلف لا يكُّنه سقف بيت أبداً حتى يطلق لُبنى .
فكان يخرج فيقف في حر الشمس , ويجيء قيس فيقف إلى جانبه فيظلُّه بردائه , ويصلَى هو بحرِّ الشمس حتى يفيء الفيء فينصرف عنه , ويدخل الى لبنى فيعانقها وتعانقه , ويبكي وتبكي معه وتقول له : ياقيس , لا تطع اباك فتهلك وتهلكني . فيقول : ما كنت لأطيع احدا فيك ابدا .
وظل على ذلك مدة حتى غلبه أبواه على أمره , فطلقها .
يقول ليث بن عمرو : سمعت قيس بن ذريح يقول لزيد بن سليمان : هجرني أبواي في لبنى عشر سنين , أستأذن عليهما فيرداني , حتى طلقتها .

و أقامت لبنى في دار قيس حتى أنقضت عدتها , فأقبل أبوها بهودج على ناقة , وبإبل تحمل أثاثها . فلما رأى قيس ذلك , أقبل على جاريتها فقال : ويحك , ما دهاني فيكم ؟ فقالت : لا تسألني وسل لبنى . فذهب إليها فمنعه قومه . فأقبلت عليه إمرأة من قومه وقالت له : مالك ويحك تسأل كأنك جاهل أو تتجاهل ! هذه لبنى ترتحل الليلة او غداً , فسقط مغشيا عليه لا يعقل , ثم أفاق وهو يقول :


وإني لمُفنٍ دمع عيني بالبُكا=حِذارِ الذي قد كان أو هو كائنُ
وقالوا غدا أو بعد ذاك بليلةٍ=فِراقُ حبيبٍ لم يَبِن وهو بائِنُ
وما كنت أخشى أن تكون منيتي=بكفَّيكِ ألا أنَّ ما حان حائنُ

وكان كلما قرَّع نفسه وأنَّبها , بكى أحر البكاء , وألصق خدَّه بالارض , ووضعه على آثارها , ثم قال :


ويلي وعولي ومالي حين تُفلِتُني=من بعد ما أحرَزَت كفَّي بها الظَّفَرا
قد قال قلبي لطرفي وهو يعذله=هذا جزاؤك مني فاَكدُمِ الحَجَرا

ويقال ان ام قيس بعثت اليه فتيات من قومه يعِبنَ إليه لبنى , ويعِبنَه بجزعه وبكائه , ويتعرضن لوصاله , فأتينه فأجتمعن حواليه , وجعلن يمازحنه , ويعِبنَ لبنى عنده , ويعيرنه بما يفعل . فلما أطلن ذلك قال لهن :


يقرُّ بعيني قُربُها ويزيدُني=بها كلفاً ما كان عندي يَعيبُها
وكم قائلٍ قد قال تُب فعصيتُهُ=وتلك لعَمري توبةٌ لا أتوبُها

ولما طال على قيس ما به من جزع وحزن وبكاء , أشار قومه على أبيه بأن يزوجه امراة جميلة لعله يسلو بها عن لبنى , فدعاه ابوه إلى ذلك , فأبى وقال :


لقد خِفتُ ألاَّ تقنَعَ النَّفسُ بعدها=بشيءٍ من الدنيا وإن كان مُقنِعا
و أزجُرُ عنها النفس إذ حِيلَ دونها=و تأبى إليها النفس إلاَّ تطلُّعا


فأعلم ذريح قومه بجوابه , فأشاروا عليه بتسييره في أحياء العرب , والنزول عليهم , لعل عينه تقع على امراه تعجبه . فأقسم عليه أبوه أن يفعل . فسار قيس حتى نزل بحيٍّ من فزارة , فرأى جارية حسناء كالبدر ليلة تمامه , فسألها عن اسمها فقات : لبنى . فسقط على وجهه مغشياً عليه , فنضحت على وجهه ماءً , وارتاعت لما عراه , ثم قالت : إن لم يكن هذا قيس بن ذريح , إنه لمجنون !
فأفاق فنسبته فأنتسب , فقالت : قد علمت أنك قيس , ولكن سألتك بالله وبحقِّ لبنى إلا أصبت من طعامنا . وقدمت إليه طعاما , فأصاب منه بإصبعه . وركب فأتى على أثره أخٍ لها كان غائباً , فرأى مناخ ناقته , فسألهم عنه فأخبروه , فركب حتى ردَّه إلى منزله وحلف عليه ليقيمن عنده شهرا . فقال له : لقد شققت عليَّ , ولكني سأتبع هواك . والفزاري يزداد إعجاباً بحديثه وعقله وروايته , فعرض عليه الصهر , فقال له : ياهذا , إن فيك لرغبة , ولكني في شُغُلٌ لا يُنتفع بي معه . فلم يزل يعاوده والحيُّ يلومونه ويقولون له : قد خشينا أن يصير علينا فعلك سبّة . فقال : دعوني , ففي مثل هذا الفتى يرغب الكرام . فلم يزل به حتى اجابه
, وعقد الصهر بينه وبينه على أخته المسماة لبنى . فأعلم اباه فسرَّه ذلك , وساق المهر عنه . ورجع إلى الفزاريين , حتى أُدخلت عليه زوجته , فلم يروه هشَّ إليها , ولا دنا منها , ولا خاطبها بحرف , ولا نظر إليها .
و أقام على ذلك أياما كثيرة . ثم أعلمهم انه يريد الخروج إلى قومه أياما , فأذنوا له , فمضى لوجهه إلى المدينة . وكان له صديق من الانصار بها , فأتاه , فأعلمه الانصاري ان خبر زواجه قد بلغ لبنى فغمَّها وقالت : إنه لغدار ! ولقد كنت أمتنع عن إجابة قومي إلى التزويج , فأنا الآن أُجيبهم , وقد كان أبوها شكا قيسا إلى معاوية , واعلمه بتعرُّضه لها بعد الطلاق .
فكتب إلى مروان بن الحكم يهدر دمه إن تعرَّض لها , وأمر أبوها بتزويجها رجلا من آل كثير بن الصلت الكندي حليف قريش , فزوجها أبوها منه . فجزع قيس لذلك جزعا شديدا , وجعل ينشُج أحر نشيج , ويبكي أحرَّ بكاء , ثم ركب من فوره حتى اتى محلة قومها , فنادته النساء : ماتصنع الآن هاهنا ؟ قد نُقلت لبنى إلى زوجها . ثم أتى موضع خبائها , فنزل عن راحلته , وجعل يتمرَّغ في موضعها , ويبكي أحرَّ بكاء , ويقول :


إلى الله أشكو فَقدَ لبنى كما شكا=إلى الله فَقْدَ الوالدين يَتيمُ
يتيم جفاهُ الأقربون فجسْمُهُ=نحيلٌ و عهدُ الزائرين قَديمُ
بَكَت دارُهُمْ من نأيِهم فَتَهلَّلت=دُموعي فأيّ الجازِعينِ ألومُ

وقد أُختُلف في آخر أمر قيس ولبنى , فذكر أكثر الرواة أنهما ماتا على افتراقهما , فمنهم من قال : إنه مات قبلها فماتت أسفا عليه . ومنهم من قال : بل ماتت , ومات بعدها أسفاً عليها .
وقال ابو عمر المدني : ماتت لبنى , فخرج قيس ومعه جماعة من اهله , فوقف على قبرها فقال :


ماتت لُبينَى فموتُها موتي=وهل تنفعن حسرتي على الفوتِ
وسوف أبكي بكاء مكتئبٍ=قضى حياة وَجداً على مَيْتِ

ثم أكب على القبر يبكي حتى أُغمي عليه , فرفعه أهله إلى منزله , وهو لا يَعقل , فلم يزل عليلا لا يفيق ولا يجيب حتى مات و دُفن إلى جانبها .

وذكر آخرون أن أبن أبي عتيق سار إلى الحسن والحسين ابني علي بن ابي طالب وعبدالله بن جعفر رضي الله عنهم وجماعة من قريش , فقال لهم : إن لي حاجة إلى رجل أخشى ان يرُدني فيها , وإني أستعين بجاهكم وأموالكم فيها عليه . قالوا : ذلك لك مُبتذل منَّا .
فاجتمعوا ليوم وعدَهُم فيه , فمضى بهم إلى زوج لبنى . فلما رآهم أعظم قدومهم إليه وأكبرهم. فقالوا له : لقد جإناك بأجمعنا في حاجةٍ لابن أ[ي عتيق . قال : هي مقضيّه كائنةً ما كانت . فقال ابن ابي عتيق : هل ستقضيها كائنةً من ملك أو مال أو أهل ؟؟ قال : نعم . قال : تهب لهم ولي لبنى زوجتك وتطلقها .
قال : فإني أشهدكم أنها طالقٌ ثلاثاً .
فاستحيا القوم واعتذروا وقالوا : والله ماعرفنا حاجته , ولو علمنا أنها هذه ما سألناك إياها .
ويُقال : أن الحسن رضي الله عنه عوضه من ذلك مئة ألف درهم , حملها ابن ابي عتيق اليه .
وبقيت لبنى عند زوجها حتى انقضت عدتها . ثم سأل القوم أباها , فزوجها قيسا , فلم تزل معه حتى ماتا .


وفي هذا قال قيس يمدح ابن ابي عتيق :


جزى الرحمن أفضل ما يُجازي=على الإحسان خَيراً من صَديقِ
فقد جرَّبتُ إخواني جميعاً=فما أَلفَيتُ كابن أبي عتيقِ
سعى في جمعِ شملي بعد صَدعٍ=ورأيٍ حِدتُ فيه عن الطريقِ
وأطفأ لوعةً كانت بقلبي=أَغصَّتني حرارتُها بــِرِِيقي


وكانت وفاة قيس بن ذريح في السنة الثامنة والستين للهجرة , بعد حياة حافلة بالمآسي والأحزان والدموع , جعلته في طليعة العشاق المشهورين على امتداد العصور .


تم النقل لما فيها من قيمة أدبية عالية المستوى


تحياتى ومودتى


أبو عمير

مزاجي
12-18-2007, 08:41 PM
مشكوووووووور