أبو عمير
12-07-2007, 07:48 AM
د. محمد الصفراني
يقسم دارسو فقه اللغة، اللغة العربية قسمين رئيسين هما العربية البائدة والعربية الباقية وفي العربية الباقية لهجات متعددة تختلف عن المألوف من الفصحى التي يعرفها العرب عامة لأنها لهجات تخص قبائل معينة تتداول بين أفراد كل قبيلة بصورة خاصة وفي كتب اللغة إشارات إلى بعض المذموم من لهجات العرب التي من أشهرها كشكشة ربيعة ومضر: حيث يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شينا فيقولون رأيتكش وبكش وعليكش. وطمطمانية حِمءير: كقولهم طاب امهواء أي طاب الهواء. وعجعجة قضاعة: حيث يجعلون الياء المشددة جيما فيقولون في تميمي تميمج. وشنشنة اليمن:حيث يجعلون الكاف شينا مطلقا: كلبيش اللهم لبيش أي لبيك. والخلخانية: كقولهم مشا الله كان أي ما شاء الله كان. وإذا آثرنا عدم التوسع في هذه اللهجات فإن فقهاء اللغة يصنفون هذه اللهجات في مجموعتين: إحداها حجازية غربية أو لغة قريش والأخرى نجدية شرقية أو لغة تميم. وهذان القسمان من اللهجات العربية الباقية هما الحد الأدني لتلك المجموعة الواسعة من الوحدات اللغوية المنعزلة المستقلة التي تعرف باللهجات. وقد اندثر بعض تلك اللهجات المذمومة وبقي بعضها إلى يوم الناس هذا. والمدقق في اللهجات المحلية المعاصرة في الحجاز تستوقفه لهجتان قريبتان في المعنى والاستعمال الأولى لهجة حضرية والأخرى لهجة بدوية. وقد اسميت اللهجة الحضرية (الكمكمة) وهي إلحاق ميم بعد كاف المخاطب المفرد كقولك: كيف حالكم أو مخاطبة المفرد بصيغة الجمع كقولك اتفضلوا وهي لهجة أبناء حاضرة الحجاز الذين يعيشون في المدينة المنورة ومكة المكرمة وجدة المغيرة "اشتقاقا من جدة غير وذلك على وزن مفعلة كمنورة ومكرمة" وتسمع هذه اللهجة منهم في مخاطبة من يحظون بالتقدير لعمر أو مركزه اجتماعي فيخاطبونه قائلين: كيف حالكم؟ إيش أخباركم؟ عساكم بخير؟ فينكم زمان ما نشوفكم؟ إلى آخر ما يسمح به المقام من كمكمة تفاجئ المخاطب الذي يسمعها لأول مرة وتجعله يلتفت يمينا وشمالا ليرى إن كان بمعيته جماعة من الناس حتى وإن كان متأكدا أنه جاء منفردا ويكثر استعمال الشق الآخر من الكمكمة المتمثل في إضافة واو الجماعة في آخر الكلمات التي تخاطب المفرد في المناسبات المشتملة على موائد عامرة حيث يقولون: اتفضلوا، اجلسوا هنا، ذوقوا هذا، ما شربتوا من هذا، حَلَّوا، غسِّلوا يدينكم، نشِّفوا.
أما اللهجة البدوية فقد اسميتها (الكوكوة) وهي إلحاق واو الجماعة بعد كاف الخطاب في مخاطبة المفرد co على وزن سيسكو وفيبكو كقولك عليكوا بمعنى عليك وهي لهجة أبناء بادية الحجاز الذين يعيشون في أطراف حواضره وتسمع هذه اللهجة منهم في مخاطبة من يحظون بالتقدير لعمر أو مركز اجتماعي فيخاطبونه قائلين: سلام عليكوا ويش لونكوا؟ ويش أخباركوا؟ عساكوا طيبين؟ إلى آخر ما يسمح به مقام الكوكوة التي تفاجئ من يسمعها لأول مرة كما تفاجئ الكمكمة من يسمعها لأول مرة بأن معه جماعة من الناس. لكن الفارق بين كمكمة الحاضرة وكوكوة البادية يتمثل في أن مسلسل الكوكوة والكفحلة عند البادية قد يستمر مسيرة يوم وليلة دون فاصل إعلاني في حين أن الحاضرة أكثر اقتصادا في الكمكمة الكفحلية.
إن ذم العرب اللهجات العربية القديمة جاء لمخالفتها ما تواضعوا عليه في لهجتيهم الرئيستين الحجازية والتميمية وللقضاء على تنويعات لهجية قد تهدم المتن المتفق عليه. أما الذائقة اللغوية فإنها تذم الكمكمة والكوكوة لاشتمالهما على طبقية لغوية خلقت طبقة اجتماعية محصنة بقوالب صياغية جاهزة تحجب أعين الناس عن أخطاء المكمكم لهم أو المكوكو لهم. مما يرفع هاتين الفئتين فوق مستوى النقد ويجعل المجتمع تابعا لفئة واحدة أو لشخص واحد (مفرد بصيغة الجمع) في حين أنه قد يكون أضعف شخص من المكمكمين أو المكوكوين أشد نفاذا من هذا المفرد أو الطبقة في فحص وتقييم الأمور وتصريفها ناهيك عن ما يتولد عن الكمكمة من صيغ أخرى مستهجنة تتمثل في صيغ الإجابات عن بعض الأسئلة الترحيبية مثل: كيف الأبناء؟ فيجيب الطرف الآخر: يقبلون أياديكم. مما يستدعي إلى الذهن عصر السادة والعبيد كما لا تخلو الكمكمة والكوكوة من حيل الخطاب لأنهما يزيدان النخبة غرقا في الأوهام.
تقبلوا تحياتى و مودتى
أبو عمير
يقسم دارسو فقه اللغة، اللغة العربية قسمين رئيسين هما العربية البائدة والعربية الباقية وفي العربية الباقية لهجات متعددة تختلف عن المألوف من الفصحى التي يعرفها العرب عامة لأنها لهجات تخص قبائل معينة تتداول بين أفراد كل قبيلة بصورة خاصة وفي كتب اللغة إشارات إلى بعض المذموم من لهجات العرب التي من أشهرها كشكشة ربيعة ومضر: حيث يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شينا فيقولون رأيتكش وبكش وعليكش. وطمطمانية حِمءير: كقولهم طاب امهواء أي طاب الهواء. وعجعجة قضاعة: حيث يجعلون الياء المشددة جيما فيقولون في تميمي تميمج. وشنشنة اليمن:حيث يجعلون الكاف شينا مطلقا: كلبيش اللهم لبيش أي لبيك. والخلخانية: كقولهم مشا الله كان أي ما شاء الله كان. وإذا آثرنا عدم التوسع في هذه اللهجات فإن فقهاء اللغة يصنفون هذه اللهجات في مجموعتين: إحداها حجازية غربية أو لغة قريش والأخرى نجدية شرقية أو لغة تميم. وهذان القسمان من اللهجات العربية الباقية هما الحد الأدني لتلك المجموعة الواسعة من الوحدات اللغوية المنعزلة المستقلة التي تعرف باللهجات. وقد اندثر بعض تلك اللهجات المذمومة وبقي بعضها إلى يوم الناس هذا. والمدقق في اللهجات المحلية المعاصرة في الحجاز تستوقفه لهجتان قريبتان في المعنى والاستعمال الأولى لهجة حضرية والأخرى لهجة بدوية. وقد اسميت اللهجة الحضرية (الكمكمة) وهي إلحاق ميم بعد كاف المخاطب المفرد كقولك: كيف حالكم أو مخاطبة المفرد بصيغة الجمع كقولك اتفضلوا وهي لهجة أبناء حاضرة الحجاز الذين يعيشون في المدينة المنورة ومكة المكرمة وجدة المغيرة "اشتقاقا من جدة غير وذلك على وزن مفعلة كمنورة ومكرمة" وتسمع هذه اللهجة منهم في مخاطبة من يحظون بالتقدير لعمر أو مركزه اجتماعي فيخاطبونه قائلين: كيف حالكم؟ إيش أخباركم؟ عساكم بخير؟ فينكم زمان ما نشوفكم؟ إلى آخر ما يسمح به المقام من كمكمة تفاجئ المخاطب الذي يسمعها لأول مرة وتجعله يلتفت يمينا وشمالا ليرى إن كان بمعيته جماعة من الناس حتى وإن كان متأكدا أنه جاء منفردا ويكثر استعمال الشق الآخر من الكمكمة المتمثل في إضافة واو الجماعة في آخر الكلمات التي تخاطب المفرد في المناسبات المشتملة على موائد عامرة حيث يقولون: اتفضلوا، اجلسوا هنا، ذوقوا هذا، ما شربتوا من هذا، حَلَّوا، غسِّلوا يدينكم، نشِّفوا.
أما اللهجة البدوية فقد اسميتها (الكوكوة) وهي إلحاق واو الجماعة بعد كاف الخطاب في مخاطبة المفرد co على وزن سيسكو وفيبكو كقولك عليكوا بمعنى عليك وهي لهجة أبناء بادية الحجاز الذين يعيشون في أطراف حواضره وتسمع هذه اللهجة منهم في مخاطبة من يحظون بالتقدير لعمر أو مركز اجتماعي فيخاطبونه قائلين: سلام عليكوا ويش لونكوا؟ ويش أخباركوا؟ عساكوا طيبين؟ إلى آخر ما يسمح به مقام الكوكوة التي تفاجئ من يسمعها لأول مرة كما تفاجئ الكمكمة من يسمعها لأول مرة بأن معه جماعة من الناس. لكن الفارق بين كمكمة الحاضرة وكوكوة البادية يتمثل في أن مسلسل الكوكوة والكفحلة عند البادية قد يستمر مسيرة يوم وليلة دون فاصل إعلاني في حين أن الحاضرة أكثر اقتصادا في الكمكمة الكفحلية.
إن ذم العرب اللهجات العربية القديمة جاء لمخالفتها ما تواضعوا عليه في لهجتيهم الرئيستين الحجازية والتميمية وللقضاء على تنويعات لهجية قد تهدم المتن المتفق عليه. أما الذائقة اللغوية فإنها تذم الكمكمة والكوكوة لاشتمالهما على طبقية لغوية خلقت طبقة اجتماعية محصنة بقوالب صياغية جاهزة تحجب أعين الناس عن أخطاء المكمكم لهم أو المكوكو لهم. مما يرفع هاتين الفئتين فوق مستوى النقد ويجعل المجتمع تابعا لفئة واحدة أو لشخص واحد (مفرد بصيغة الجمع) في حين أنه قد يكون أضعف شخص من المكمكمين أو المكوكوين أشد نفاذا من هذا المفرد أو الطبقة في فحص وتقييم الأمور وتصريفها ناهيك عن ما يتولد عن الكمكمة من صيغ أخرى مستهجنة تتمثل في صيغ الإجابات عن بعض الأسئلة الترحيبية مثل: كيف الأبناء؟ فيجيب الطرف الآخر: يقبلون أياديكم. مما يستدعي إلى الذهن عصر السادة والعبيد كما لا تخلو الكمكمة والكوكوة من حيل الخطاب لأنهما يزيدان النخبة غرقا في الأوهام.
تقبلوا تحياتى و مودتى
أبو عمير